عمّار صبري
كاتب وسيناريست مصري

من أنا؟

"لقد أسرني مشهد القرية التي تنام في أحضان أحد فروع النيل، وتصــورت أن إيزيس ربما كانت تعيش هنا وقد أوحـى لها هذا المكان بفكرة البحث عن أشلاء أوزوريس، هذا الجمال الباهر الأخاذ وهؤلاء الفلاحون بقواربهم الصغيرة يصطادون في مياه النيل وآخرون على جرف النهـر منغمسون في زراعة أرضهم، الأخضر لون الزرع والأزرق لون المياه يختلط بملابس البنات زاهية الألوان هدوء متفرد يتسلل إلى النفس فيعيد إليها صفاءها"
كانت تلك الكلمات الرقيقة هي وصف الكاتبة عطيات الأبنـودي في كتابها أيام الديموقراطية لمسـقط رأسي، حيث ولدت ونشأت في إحدى قرى محافظة الدقهلية في بداية التسعينيات، مجتمع صغير يعرف بعضه بعضا يتشارك همومه وتطلعاته ويتدخل أفراده كلٌ في أمـور الآخر. الجميع يشاهدون نفس المسلسل ويختلفـون حول تشجيع فريقي كرة قدم لا ثالث لهما ويرشحون نفس المرشح في الانتخابات.
شاهدت ذلك بعيني طفل صغير يعتقد أن هذا المكان هو كل العالم لذلك فقد تشبعت بحكاياته فسخرت من بعضها ببعض الاسكتشات الصغيرة التي كنت أعكـف على كتابتها بأسلوب طفـولي وأتقـدم بمنتهى الثقة لتنفيذها وعرضها في مدرستي الحكومية التي لم يكن بها مسرح بالأساس.
غادرت عالمي هذا للعيش بمدينة السادس من أكتوبر مع بداية المرحلة الجامعية، وعلى عكس المتوقع أو حتى ما أردت، التحقت بكلية الصيدلة لأعيش ثلاث سنوات من الغربة بين الكثير من الرموز الكيميائية التي تملأ الكتب الدراسية والتي حاولت جاهـدا أن أفهمها دون جدوى.
كانت تسليتي الوحيـدة في تلك المرحلة هي انضمامي لفريق المسرح بالجامعة، قبل أن أتخذ قراري أخيرا بترك كلية الصيدلة والبـدء في الدراسـة بكلية الإعـلام والتي أنهيتها سريعا في ثلاث سنوات مستغلا نظام الساعات المعتمدة لأجد نفسي قد تخرجت بتقدير امتياز وعُينت معيدا بالجامعة وهو الأمر الذي لم أسعَ إليه أبدا.
كنت كلما بدأت في عمل جديد أتحمس بشدة فأعطيه كل طاقتي ثم سريعا ما أمل منه، ينطبق ذلك على عملي كمعيد في الجامعة أو في مجال الديجيتال ماركتنج أو غير ذلك، أدركــت أن هناك شيء واحد فقط هو ما أستمتع به حقا وهو الكتابة لذلك فإن كل ما يبعدني عن الكتابة كنت أضحي به سريعا دون التفكير في عواقب القرار..
لذلك فقد وضعت أمام عيني هدف واضح
أن تتحول الكتابة من مجرد هواية إلى مجال عمل أعتمد عليه في حياتي فأعطيه كل طاقتي.
لم أعرف كيف يحدث ذلك ولا حتى الطريق الذي يجب أن أسلكه. قررت أن أبدأ بما هو متاح أمامي فأسست فريق مسرح من الطلاب بكلية الإعلام كوني معيدا بالكلية لأنفذ أول عرض مسرحي من تأليفـي وإخراجي "المورســتان" وأقوم بعرضه، لم أعرف حينها تبعات تلك الخطوة أو إلى أي حد قد تساعدني..
كل ما عرفته أن فترة الاستعداد للعرض وأثناء بروفاته كانت من أمتع لحظات حياتي وكذلك فإن لحظة عرضه ومشاهدة مدى تأثر الجمهور به كانت لحظة نشوة حقيقية.
أثناء محاولات كتابة نصـوص مسرحية مختلفة وعدة أفلام قصيرة، جاءتني الفرصة حين أقيمت ندوة بالكلية للمخرج الأستاذ/ تامر محسن والذي كنت أعرفه كمشاهد معجب بأعماله الدرامية التي يقدمها، قدمت نفسي إليه لأفاجأ بمقدار من الترحاب والاستعداد الموجود لديه لمساعدة الشباب، أبدى استعداده لقـراءة شيئا أكتبــه ولم يبخل بالنصح ثم لاحقا قدم لي فرصتي الذهبية لأبدأ رحلتي في عالم الكتابة من خلال مشاركتي في ورشة كتابة مسلسله "لعبة نيـوتن"، حاولت اسـتثمار تلك الفرصة لأنتقل بعدها من مسلسل إلى الآخر وأترك عملي كمعيد بالجامعة بشكل نهائي وأتفرغ تماما للكتابة بعدما أصبحت عملي الأساسي.